الشيخ ناصر مكارم الشيرازي

55

نفحات الولاية

القسم الثاني وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْاسْوَةِ ، فَإِنَّ ذلِك أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي ، وَلَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي ، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله قَدْ فُرِغَ مِنْهُ ، فَلَمْ أَحْتَجْ إِلَيْكُمَا فِيَما قَدْ فَرَغَ اللَّه مِنْ قَسْمِهِ ، وَأَمْضَى فِيهِ حُكْمَهُ ، فَلَيْسَ لَكُمَا ، وَاللَّه ، عِنْدِي وَلَا لِغَيْرِكُمَا فِي هذَا عُتْبَى . أَخَذَ اللَّه بِقُلُوبِنَا وَقُلُوبِكُمْ إِلَى الْحَقِّ ، وَأَلْهَمَنَا وَإِيَّاكُمُ الصَّبْرَ . ثم قال عليه السلام : رَحِمَ اللَّه رَجُلًا رَأَى حَقًّا فَأَعَانَ عَلَيْهِ ، أَوْ رَأَى جَوْراً فَرَدَّهُ ، وَكَانَ عَوْناً بِالْحَقِّ عَلَى صَاحِبه . الشرح والتفسير : حكم اللَّه ركّز الإمام عليه السلام هنا على أحد الإشكالات الرئيسيّة لطلحة والزبير وأمثالهما على الإمام في التسوية في العطاء من بيت المال فقال : « وَأَمَّا مَا ذَكَرْتُمَا مِنْ أَمْرِ الْاسْوَةِ ، فَإِنَّ ذلِك أَمْرٌ لَمْ أَحْكُمْ أَنَا فِيهِ بِرَأْيِي ، وَلَا وَلِيتُهُ هَوًى مِنِّي ، بَلْ وَجَدْتُ أَنَا وَأَنْتُمَا مَا جَاءَ بِهِ رَسُولُ اللَّه صلى الله عليه وآله قَدْ فُرِغَ مِنْهُ » . المفردة « أسوة » وإن استعملت غالباً بمعنى الاقتداء والاتباع ولم تذكر لها المصادر اللغوية معنى آخر غير هذا المعنى « 1 » ؛ إلّاأنّ بعض اللغويين صرحوا بأنّ

--> ( 1 ) . راجع كتاب « العين » و « لسان العرب » و « مجمع البحرين » مادة « أسوة » . قال المرحوم الطبرسي في « مجمع‌البيان » في ذيل الآية 21 من سورة الأحزاب : « لَقَدْ كَانَ لَكُمْ فِى رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ » : « أي قدوة صالحة يقال : لي في فلان أُسوة . أي لي به اقتداء . . . اسم وضع موضع المصدر » وطبق هذا البيان « أسوة » بمعنى الاقتداء وله وضع الاسم المصدري ، ويشهد على ذلك تعبير القرآن : « فِى رَسُولِ اللَّه أُسْوَةٌ » ولم يقل : « رسول اللَّه أسوة » ، وكأن الاقتداء بشخص يوجد نوعاً من المساواة به فقد وردت أسوة بمعنى المساواة وهذا المراد بها في هذه العبارة . ومن هنا قال الإمام إنّما اقتديت برسول اللَّه صلى الله عليه وآله وعملت بسيرته .